علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

168

نسمات الأسحار

وبت ليلتي فلما أصبحت أتيت إلى القبر لعلى أرى أحدا من زوار القبور فأعلمه بما رأيت ثم نمت فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه وهو يقول : ما أغفل أهل الدنيا عنى ضوعف علىّ العذاب وتقطعت عنى الحيل والأسباب وغضب على رب الأرباب وغلق في وجهي كل باب فالويل لي إن لم يرحمني ربى العزيز الوهاب ، قال الحارث فاستيقظت من منامي مرعوبا وهممت بالانصراف ؟ فإذا بثلاث جوار قد أقبلن فتباعدت لهن عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهن فتقدمت الصغرى وقالت : السلام عليك يا أبتاه كيف هدوءك في مضجعك وكيف قرارك في موضعك ذهبت عنا بودك وانقطع عنا سؤالك فما أشد حزننا عليك ثم بكت بكاءا شديدا ثم تقدمت الابنتان فسلمتا على القبر ثم قالتا : هذا قبر أبينا الشفيق علينا الرحيم بنا أنسك اللّه بملائكة رحمته وصرف عنك عذابه ونقمته يا أبتاه جرت بعدك أمور لو عاينتها لأهمتك ولو اطلعت عليها لأحزنتك كشف الرجال وجوهنا وقد كنت سترتها ، قال الحارث : فبكيت لما سمعت كلامهن ثم قمت إليهن مسرعا وقلت لهن : أيها الجواري إن الأعمال ربما قبلت وربما ردت على صاحبها فما كان عمل أبيكن المخلد في هذا القبر الذي عاينت من أمره ما أحزننى واطلعت من حاله على ما آلمني قال الحارث : فلما سمعن كلامي كشفن وجوههن وقلن : أيها العبد الصالح وما الذي رأيت ؟ قلت لهن : لي ثلاثة أيام وأنا أختلف إلى هذا القبر أسمع صوت المقمعة والسلاسل فيه قال : فلما سمعن ذلك منى قلن لي : بشارة ما أضرها ومصيبة ما أحزنها نحن نقضي الأوطار ونعمر الديار ، وأبونا يحرق بالنار فو اللّه لا قربنا قرار ، ولا ضمنا للذة العيش دار ، ونتضرع إلى الجبار فعساه أن يعتق أبانا وينقذه من النار ثم مضين يتعثرن في أذيالهن . قال الحارث : فأتيت إلى دارى وبت ليلتي فلما أصبحت أتيت القبر فجلست عنده وغلبني النوم فإذا أنا بصاحب القبر له حسن وجمال وفي رجليه نعل من ذهب ومعه حور وغلمان ، قال الحارث : فقلت له : رحمك اللّه من أنت ؟ فقال : أنا الرجل الذي عاينت من أمره ما أحزنك واطلعت منه على ما أفجعك فجزاك اللّه خيرا ، فما أيمن طلعتك علىّ ، فقلت له : وكيف حالك ؟ فقال لي : لما أطلعت علىّ وأخبرت بناتي بالأمس بحالي أعرين أبدانهن وأسبلن شعورهن وتضرعن